ابن عطية الأندلسي
426
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال أبو محمد : وهذا الاستهام غير الأول ، هذا المراد منه دفعها ، والأول المراد منه أخذها ، ومضمن هذه الرواية أن زكرياء كفلها من لدن طفولتها دون استهام ، لكن أمها هلكت وقد كان أبوها هلك وهي في بطن أمها فضمها زكرياء إلى نفسه لقرابتها من امرأته ، وهكذا قال ابن إسحاق ، والذي عليه الناس أن زكرياء إنما كفل بالاستهام لتشاحهم حينئذ فيمن يكفل المحرر ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وكفلها زكرياء مفتوحة الفاء ، خفيفة « زكرياء » مرفوعا ممدودا ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ، وكفلها مشدد الفاء ممدودا منصوبا في جميع القرآن ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ، « كَفَّلَها » مشددة الفاء مفتوحة ، « زَكَرِيَّا » مقصورا في جميع القرآن ، وفي رواية أبي بن كعب ، و « أكفلها زكرياء » بفتح الفاء على التعدية بالهمزة ، وقرأ مجاهد ، « فتقبلها » بسكون اللام على الدعاء « ربّها » بنصب الباء على النداء و « أنبتها » بكسر الباء على الدعاء ، و « كفلها » بكسر الفاء وشدها على الدعاء زكرياء منصوبا ممدودا ، وروي عن عبد اللّه بن كثير ، وأبي عبد اللّه المزني ، « وكفلها » بكسر الفاء خفيفة وهي لغة يقال : كفل يكفل بضم العين في المضارع ، وكفل بكسر العين يكفل بفتحها في المضارع ، « زكرياء » اسم أعجمي يمد ويقصر ، قال أبو علي : لما عرب صادق العربية في بنائه فهو كالهيجاء تمد وتقصر ، قال الزجاج : فأما ترك صرفه فلأن فيه في المد ألفي تأنيث وفي القصر ألف التأنيث ، قال أبو علي : ألف زكرياء ألف تأنيث ولا يجوز أن تكون ألف إلحاق ، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه ، ولا يجوز أن تكون منقلبة ، ويقال في لغة زكرى منون معرب ، قال أبو علي : هاتان ياء نسب ولو كانتا اللتين في زَكَرِيَّا لوجب ألا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف وإنما حذفت تلك وجلبت ياء النسب ، وحكى أبو حاتم ، زكرى بغير صرف وهو غلط عند النحاة ، ذكره مكي . وقوله تعالى : كُلَّما ظرف والعامل فيه وَجَدَ ، و الْمِحْرابَ المبنى الحسن كالغرف والعلالي ونحوه ، ومحراب القصر أشرف ما فيه ولذلك قيل لأشرف ما في المصلى وهو موقف الإمام محراب ، وقال الشاعر : [ وضاح اليمن ] [ السريع ] ربّة محراب إذا جئتها * لم ألقها أو أرتقي سلّما ومثل قول الآخر : [ عدي بن زيد ] [ الخفيف ] كدمى العاج في المحاريب أو كال * بيض في الرّوض زهره مستنير وقوله تعالى : وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ، معناه طعاما تتغذى به ما لم يعهده ولا عرف كيف جلب إليها ، وكانت فيما ذكر الربيع ، تحت سبعة أبواب مغلقة وحكى مكي أنها كانت في غرفة يطلع إليها بسلم ، وقال ابن عباس : وجد عندها عنبا في مكتل في غير حينه ، وقاله ابن جبير ومجاهد ، وقال الضحاك ومجاهد أيضا وقتادة : كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، وقال ابن عباس : كان يجد عندها ثمار الجنة : فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ، وقال الحسن : كان يجد عندها رزقا من السماء ليس عند الناس ولو أنه علم أن ذلك الرزق من عنده لم يسألها عنه ، وقال ابن إسحاق : هذا الدخول الذي ذكر اللّه تعالى في قوله كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها إنما هو دخول زكرياء عليها وهي في كفالة جريج